وهم دولة الخلافة
تونس، صيف 2013
كان الهواء في تلك الأمسية الحارة رطبا وثقيلاً، مشبعاً برائحة الغبار وكانت أشجار الحيّ القديم ساكنة، لا تتحرك. جلست سميرة ذات الثلاثين عاما في آخر صفوف النساء داخل مسجد "الهداية"، تمسك بمسبحتها الخشبية التي اشترتها من سوق المدينة العتيقة قبل عامين، عندما كانت لا تزال تؤمن بأن الصلاة وحدها كفيلة بإنقاذها من وحشة الطلاق.
بعد الصلاة، اقتربت منها أم ناصر، المرأة الخمسينية ذات العينين الثاقبتين والجلباب الأسود الفضفاض، وهمست:
"يا ابنتي، لاحظتِ أنكِ دائمة الحضور، لكن قلبكِ لا يزال مثقلاً بالدنيا... ألا تريدين أن تعرفي لماذا تشعرين بهذا الفراغ؟"
لازمت سميرة الصمت، مكتفية بضغط شفتيها، لكن عينيها اغرورقتا بالدموع. كانت كلمات أم ناصر كالماء ينساب في صدع صخري جاف، يبحث عن أي طريق ليوسّعه.
---
في الجلسة السرية الأولى (في منزل أم ناصر، خلف المسجد):
جلست عشرات النساء حول صحون من التمر والزبيب، بينما كانت تُروى عليهن قصة "خولة بنت الأزور" كما يحكيها الشيخ أبو أسامة عبر تسجيل صوتي خشن:
"كانت خولة تقاتل الكفار بسيفها، وتضمد جراح المجاهدين بيديها... أين أنتنّ من نساء الصحابة؟!"
نظرت سميرة إلى يديها الناعمتين، اللتين لم تحملا سوى دفاتر المحاسبة في مكتبها. شعرت بالخزي.
مدّت أم ناصر يدها نحوها:
"ابنتي، الزواج في سبيل الله جهاد... أبو الزبير رجل صالح، يبحث عن زوجة تُعينه على الهجرة لنصرة إخواننا في سوريا. هل تقبلين به زوجا؟"
---
ليلة الزواج (في شقة متواضعة بحي التضامن):
أبو الزبير (40 عاماً، لحيته المصبوغة بالحناء كثيفة، وعيناه لا تهدآن) كان يقلب خريطة ليبيا على طاولة مهترئة بينما يردد:
"الحدود مفتوحة... إخواننا في درنة بانتظارنا... من هناك إلى سوريا، حيث تُبنى دولة الخلافة."
سميرة، التي ارتدت لأول مرة نقاباً أسود سميكاً، سألت بصوت خافت:
"ولماذا نسافر؟ لماذا لا نجاهد هنا؟"
ضحك الرجل ضحكة مكتومة، ثم أخرج هاتفه المحمول وعرض عليها مقطعاً لداعش يرفع الرايات السود:
"هؤلاء الرجال يُحيون سنّة النبي... وهناك، في الرقة، تُفتح أبواب الجنة!"
---
الليلة الأخيرة في تونس (قبل الرحيل إلى ليبيا):
في غرفة نومهما المظلمة، بينما كان أبو الزبير يغفو بجوارها، تسللت سميرة إلى شرفة المنزل. في الأسفل، كانت شوارع تونس العتيقة تنبض بحياة لم تعد جزءاً منها. تذكرت فجأةً ابنها يوسف ذي السبع سنوات)، الذي تركته عند جدته.
صوت أم ناصر يتردد في رأسها: "الأبناء زينة الحياة الدنيا، لكن الجنة خير وأبقى!"
لكن صورة طفلتها الصغيرة سارة بنت الخمس سنوات وهي تلعب بدميتها القماشية انبثقت كالبرق في مخيّلتها. قبضت على صدرها، وكأن قلبها يتمزق بين "الفرض" و "الحرام".
---
المسجد في صباح اليوم التالي:
كان الخطيب، الشيخ عمر، يهزّ المنبر وهو يروي قصة أحد الصحابة، "القعقاع"، كما لم تسمعها سميرة من قبل: "كان يقتل ألف كافر في اليوم الواحد! وأنتم... تتخوفون من السفر؟!"
بين الحضور، التقت عيون سميرة بعيون أم محمد، الجارة العجوز التي كانت تحضر ابنتها ذات الستة عشر ربيعاً إلى المسجد. الفتاة كانت ترتدي الآن النقاب، وعيناها تلمعان بذلك الضوء نفسه الذي كان في عيني سميرة قبل أشهر.
---
على الحدود الليبية التونسية:
توقفت الحافلة المهترئة في منتصف الليل. ثم سمع صياح الدليل المسلح، شاب عشريني يحمل بندقية كلاشنيكوف: "النساء ينتقلن إلى سيارات الـ"بيك آب" خلف التلة... الرجال يبقون معي!"
قبّل أبو الزبير جبين سميرة: "سنلتقي في درنة... إن شاء الله."
لكن "إن شاء الله" هذه المرة لم تكن كسابقاتها. كانت تحمل في طياتها رائحة الموت.
---
تونس، شتاء 2023.
في مقهى بالمدينة العتيقة، تجلس سارة مع جدتها، تتصفح هاتفها. كانت قد كبرت. فجأةً، تقفز صورة على فيسبوك لامرأة هزيلة، عيناها غائرتان، خلف سياج مخيّم الهول في سوريا. وكان التعليق يقول: "أبحث عن أهلي في تونس... اسمي سميرة المالكي."
كانت الجدّة تمسك بالهاتف بيد مرتعشة، لكن سارة سارعت بسحبه منها وهي تصرخ: "هذه ليست أمي... أمي ماتت منذ زمن"
في الزاوية، كان جهاز التلفزيون يشتغل بصوت خافت، على شريط أحمر أسفل الشاشة كان هناك خبر: "عودة عناصر داعش من مخيمات سوريا إلى تونس".
كانت الريح تعصف خارجاً، حاملةً معها أوراقاً قديمة من جريدة عام 2013، حيث كان عنوان رئيسي يعلن: "حركة النهضة: نحن ضد التطرف!"
.
.
.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire