dimanche 30 novembre 2025

النجمات المنسيّة في بئر الصدى 📚

النجمات المنسيّة في بئر الصدى


696969696969


الفصل الأوّل: جفاف البئر وهمسه


في قرية "الشّرايبيّة"، لم تكن الحياة تُقاس بكمّيّات الحبوب عند الحصاد ولا بمتانة البيوت الطّينيّة، بل كانت تُقاس بتواصل تدفّق الماء من البئر القديم. فالبئر لم يكن مجرّد خزّان جوفيّ؛ لقد كان محور الوجود، المكان الذي تتصافح عنده أيدي الجيران، وتتبادل فيه النّساء الضّحكات وهمسات الأسرار، وتُقام حوله الاحتفالات في المواسم الممطرة. كانت أرض الشّرايبيّة، ذات الحقول المترامية الأطراف التي تشتهر بإنتاج أجود أنواع الحبوب والزّيتون، مدينةً في مجدها كلّه لذلك القلب الرّطب المدفون في أعماق ترابها.

لكنّ شمس ذلك الصّيف القاسي كانت كارثيّة. لقد جثمت على القرية بكلّ ثقلها ووهجها، أحرقت كل أثر للرّطوبة، وغيّرت لون الحقول الذّهبي المعتاد إلى لونٍ باهتٍ، كأنّ الحياة قد سُحبت من تحت جلد الأرض. والأدهى من ذلك كلّه، كان مصيرُ البئر.

منذ قرابة ثلاثة أشهر، بدأ تدفّق البئر يضعف شيئًا فشيئًا. كانت البداية مجرّد نقصٍ طفيفٍ، ثم إستمرّ النقصان، حتّى جاء اليوم المشؤوم الذي أعلن فيه "الحاج قاسم"، كبير القرية، أنّ قاع البئر قد أصبح جافًّا بالكامل، مجرّد حفرة مظلمة وفارغة. صار البئر فمًا مفتوحًا، صامتًا، تفوح منه رائحة الطّين الجافّ المُغبرّ، رائحة الجفاف والقلق.

كانت "سَلمى" فتاة لم تتجاوز خمسة عشر سنة، لكنها كانت تحمل في صدرها قلبًا لم يفقد الفضول أبدًا، وعينين لوزيّتين حادّتين. شعرها البنّي الدّاكن كان ينسدل كجدائل اللّيل، وكانت طبيعتها الانعزاليّة تجعلها تراقب أزمة القرية بعمق مختلف عن باقي الأطفال الذين اكتفوا باللّعب. سلمى كانت ترى في جفاف البئر ليس مجرد كارثة مادية، بل نذيرًا لـ"جفافٍ في الرّوح" أصاب أهل القرية الذين فقدوا تقديرهم للنّعمة منذ زمنٍ طويلٍ، كما اعتاد والدها الهمس.

كان اليأس قد بدأ يتسرّب إلى كلّ القرية. كانت اجتماعات الكبار تجري كلّ مساء تحت جذوع الأشجار المنهكة.

"سلمى، كفّي عن اللعب قرب البئر، فالهمُّ يملأ القلوب والجيوب،" هكذا قال والدها "منصور" مساء يوم الأربعاء، وهو يعود من اجتماع الحاج قاسم بوجه شاحب. "لقد قرروا أن نشتري الماء من قرية 'الرّوايضيّة' البعيدة. يعني أنّ كلّ قُوتنا سيذهب ثمنًا للماء، وسنتخلّى عن حصادنا لهذا العام لدفع ثمن النّقل."

نظرت سلمى إلى وجه والدها المرهق. كان صوته يحمل مرارة تختلف عن مرارة العطش؛ إنّها مرارة اليأس. أدركت أن الحلّ الذي يبحث عنه الكبار بالمال والجهد الخارجي قد لا يكون الحلّ الصّحيح.

هذا الموقف زاد من تصميم سلمى على ضرورة الاكتشاف. لقد حذّرتها جدّتها "نعيمة"، المرأة الحكيمة والمليئة بالحكايات الموثوقة، ألف مرّة من الاقتراب من البئر. قالت الجدّات قديمًا إن روحًا قديمة تسكن قاعه وتحرس سرًّا، وأن البئر "ملعون" على كلّ من يحاول كشفه. لكن بالنّسبة لسلمى، كانت التّحذيرات مجرّد إشارات على أنّ الحقيقة قد تكون نائمة هناك، في منطقة الخطر الممنوعة.

ذات مساء يومٍ خريفيّ هادئ، بعد ثلاثة أسابيع من الإعلان الرّسمي عن الجفاف، تسلّلت سلمى نحو البئر بعد أن غابت الشّمس. كان الجميع منهكين ومتعبين، إمّا في مهمّة لجلب المياه المشتراة، أو في عزلة بفعل الإحباط، ممّا منح سلمى الغطاء المثالي.

حملت سلمى معها معدّاتها الخاصّة: حبلٌ طويلٌ ومتينٌ كانت تستخدمه في ربط الماعز، ومصباحٌ يدويٌّ صغيرٌ يعمل بالبطّاريّة، يبعث ضوءًا ضعيفًا لكنّه كافٍ. ربطت الحبل بإحكام حول الصّخرة الأكثر ثباتا بجوار فتحة البئر الضّخمة. وبدأت بالنّزول.

كان النّزول في صمت البئر الجافّ تجربة مهيبة. كانت الظّلال تلتهم ضوء مصباحها، وكانت سلمى تشعر ببرودة غريبة تنبعث من الحجر القديم، برودةٌ لا علاقة لها بالطّقس. كان الحبل يؤذي يديها الصغيرتين، لكن تصميمها كان أقوى من الألم. كلّما تعمّقت أكثر، شعرت وكأنّها تترك عالم "القلق السّطحي" في القرية، وتدخل إلى عالم "الحقيقة المدفونة" في الأعماق.

عندما لامست قدماها قاع البئر أخيرًا، شعرت بارتياحٍ خفيفٍ ممزوجٍ برهبةٍ. كانت تقف على أرضيّة من الطّين المتشقّق، الذي يشبه الجلد الجافّ. رائحة الطّين كانت قويّة وممزوجة برائحة الحجر الرّطب القديم، رائحة تخبر عن زمن قد ولّى.

بدأت سلمى تتفحّص الجدران الدّائريّة بضوء المصباح، بحثًا عن علامة ماء منسيّة أو أيّ شيء يبرّر جفاف البئر فجأة. لم يكن هناك شيء. كانت الجدران خالية، حجر فوق حجر.

ثمّ، في وسط القاع، مغطًّى بطبقةٍ كثيفةٍ من الغبار المتراكم، كان هناك شيءٌ لم يكن ينبغي أن يراه أحد.

إنّه صندوقٌ.

كان صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مصنوعًا من خشب داكن لم تره سلمى من قبلُ، خشبٌ يبدو وكأنّه نُحتَ من جذع شجرةٍ قديمةٍ. كان الصّندوق مغلقًا بإبزيمٍ نحاسيٍّ لامعٍ، لكنّ الشّيء الأكثر سحرًا كانت النّقوش التي تزيّنه: نجومٌ صغيرةٌ متّصلةٌ ببعضها البعض بخطوطٍ رفيعةٍ، ترسم شبكةً معقّدةً كأنّها خريطةٌ سماويّةٌ نُقشت على الخشب نفسه.

شعرت سلمى بوخزة في قلبها، وهي تقترب. مدّت يدها الصّغيرة ببطءٍ، وفي اللّحظة التي لمست فيها الصّندوق، شعرت ببرودة شديدة تمتد عبر ذراعها، كأنّها لمسةٌ من جليدٍ. 

وفي تلك اللّحظة، وبصوتٍ خافتٍ بالكاد يُسمع في هدوء القاع المُطبق، سمعت سلمى همسًا يرتفع من بين الشّقوق في الحجر، وكأنّه يأتي من مكان أعمق بكثير من البئر:

"المفتاحُ في عينِ النّاظر، والسرُّ في ليلِ العابر..."

سارعت سلمى بفتح الإبزيم النّحاسيّ. ارتجف قلبها عندما رفعت الغطاء الخشبي. لم تكن هناك عملات ذهبيّة أو جواهر، كما في حكايات جدّتها. كان بالدّاخل قطعةُ قماشٍ قطنيّةٍ قديمةٍ، ومن تحتها... خريطة.

لكنّها لم تكن خريطة أرضيّة عاديّة. كانت مرسومة على جلد رقيق وشفّاف كجناح اليعسوب، ولم تكن تحمل حدود بلدان أو أسماء مدن، بل كانت عبارة عن شبكة معقّدة من النّقاط اللّامعة والخطوط المتوهّجة. إنّها خريطةٌ نجميّةٌ سحريّةُ.

أخذت سلمى الخريطة بيد مرتعشة، ورفعت مصباحها لتسلّط الضّوء عليها. وفي تلك اللّحظة، تحقّقت من السّرّ الغريب الذي نطق به البئر.

في اللّحظة التي سُلّط فيها ضوءُ المصباح على الخريطة، لم تبقٓ النّقاط ثابتة. بدأت النّجوم المضيئة في الخريطة تتحرّك وتترتّب وتعيد تشكيل الأبراج أمام عينيها! كانت حركة بطيئة ومهيبة، كأنّ الخريطة كائنٌ حيٌّ يتنفّسُ، أو كأنّها مرآة تعكس حركة الكون الحاليّة.

أسرعت سلمى بلفّ الصّندوق والخريطة في قماشها الخاصّ، ووضعت المصباح في فم الصّندوق للحفاظ عليه. بدأت في تسلّق الحبل ببطء ومشقّة، وقلبها يخفق كطائر صغير محبوس. كانت تحسّ في أعماقها أنّ هذا الصّندوق الغريب مفتاحٌ لحلّ لغزٍ أكبر.

وصلت سلمى إلى حافّة البئر، وقبل أن تسترجع أنفاسها بالكامل جمعت حبلها وتسلّلت عائدةً إلى منزلها الطّينيّ الصّغير. كان الصّندوق الخشبيّ دافئًا وغريبًا في حضنها.


في غرفتها الصّغيرة، تحت ضوء قمرٍ خافتٍ تسلل عبر النّافذة، وضعت سلمى الصّندوق والخريطة. نظرت إلى النّقوش النّجميّة على الخريطة وهي تتغيّر ببطءٍ في ظلمة الغرفة، ثمّ نظرت إلى صندوقها الخشبي. وأخفت الصّندوق والخريطة ملفوفين في القماش تحت لوحٍ خشبيٍّ مائلٍ في زاوية الغرفة. شعرت سلمى بتعبٍ جسدي شديد، لكنّ عقلها كان يقظًا ومشتعلًا بالفضول. لقد استمعت إلى همسات البئر، والآن حان دورها للعبور نحو اكتشاف أسرار هذا الرّمز الغامض، حتى لو استغرق الأمر أيامًا وليالٍ.

أغلقت سلمى عينيها، وهي تتذكّر رائحة الطّين الجاف في قاع البئر، وبرودة الصّندوق، والهمسة الغامضة التي دلّتها على السّرّ.



الفصل الثّاني: الخريطة النّجميّة والتّحوّل اللّيلي


لم يكن الفضول يتركُ سلمى تنام. بعد مغامرة البئر واكتشافها السّاحر، لم تكن اللّيالي مجرّد وقتٍ للرّاحة، بل تحوّلت إلى فترات ترقّبٍ ودراسةٍ مكثّفةٍ. الأزمةُ في القرية كانت تتفاقم؛ أصبح شراء الماء أكثر تكلفةً، وبدأت الوجوه تعكس إرهاقًا أكبر مع كل يوم يمرُّ. لكن بالنّسبة لسلمى، كان القلق العام يوفّر غطاءً مثاليًّا لانعزالها مع سرّها الجديد.

لأربعة أيّامٍ متتاليةٍ، حافظت سلمى على روتينها اللّيلي. بعد أن يخلد والداها إلى النّوم، كانت تتسلّلُ إلى ركنها السّرّي وتُخرج الصّندوق والخريطة النّجميّة. كانت تجلس على الأرض، وتضيءُ شمعةً صغيرة، لا لترى بها بل لتُشعل بها الأجواء السّحريّة التي أحاطت باكتشافها.

كانت الخريطة ساحرة؛ مادّتها ناعمة ودافئة، تشبه ملمس جلد الغزال الرّقيق، وتحمل رائحةً غريبةً ومميّزةً، مزيجٌ يذكّرها بأشياء كثيرة جميلة ودافئة، أو كأنّه رائحة السّكون في سماء ليلة صيفيّة.

لاحظت سلمى أن شكل ترتيب النّجوم لا يشبه ما كان عليه لحظة اكتشافها للخريطة في قاع البئر. فبينما كانت في البئر تشكّل أبراجًا تبدو كـ"شجرة زيتون تتأرجح"، أصبحت الآن ترسم أشكالًا لم تعرفها من قبل. الأبراج أخذت شكل "عقرب بذيْل معقوف" و"فارس يركب سحابة" و"مركب شراعي يسبح في الظّلام"! أدركت سلمى سرّ الهمس: "السّرُّ في ليلِ العابر". الخريطة ليست ثابتة؛ إنّها تتفاعل مع حركة النّجوم فوق القرية، أو ربّما مع حركة غير مرئيّة للزّمن والسّحر الذي يحيط بها.

استقرّت سلمى على أرضيّتها وهي تمسك الخريطة، وبدأت تتفحّص الصّندوق مرّةً أخرى، بتمعّن أكبر. في قاعه، تحت قماش البطانة الدّاخلي، وجدت نقشًا صغيرًا باللّغة العربيّة، بالكاد يمكن قراءته تحت ضوء الشّمعة:

"إلى العابر الذي وجد هذا. كل ليلة، تفتح الخريطة دربًا. كل دربٍ يقودُ إلى حلّ، وكل حلّ يحتاج إلى شيء لم يفقده قلبك قطّ. لفكّ التّعويذة، اتبع النّجم الخائف."

جلست سلمى تفكّر بعمقٍ. كيف تعرفُ الخريطة ما هو "النّجم الخائف"؟ النجوم كلّها لامعة متلألئة! وبعد ليلتين من المراقبة المستمرّة، أدركت آليّة عملها. كانت معظم النّجوم على الخريطة تتوهّج بثبات، أما النّجم الخائف فكان مختلفًا.

حوالي منتصف اللّيل في اللّيلة الرّابعة، ظهرت على الخريطة شبكةٌ جديدةٌ من النّجوم. كان هناك نجم واحد بالذّات، أكثر لمعانًا من البقيّة، يتوسّطُ مجموعة نجوم ترسم شكل منجل ذهبيّ.

لاحظت سلمى أنّ هذا النّجم اللّامع، وعلى الرّغم من توهّجه القويّ، كان الوحيد الذي يُومض ببطءٍ، وكأنّه يتردّد أو 'يخاف' من إظهار كامل ضوئه، أو كأنّه يكبح نفسه. أدركت سلمى أنّ هذا هو "النّجم الخائف" الذي تحدّث عنه النّقشُ، ليس لأنّهُ ضعيفٌ، بل لأنّه متردّد أو مكتوم، يمثّل شيئًا يجب تحريره.

هذا هو الدّرب الذي تحدّث عنه النّقش! نعم. لكن إلى أين يقود؟

تفحّصت سلمى المنطقة المحيطة بالنّجم الخائف. في زاوية الخريطة، ظهرت علامة بسيطة للغاية: دائرة صغيرة بداخلها نقطة، وهي علامة تشبه تمامًا علامةً كانت قد رأتها منذ زمن بعيد على مدفأة الجدّة الحجريّة في غرفة المعيشة!

المدفأة! كانت المدفأة في قلب المنزل، رمزًا للدّفء والتّجمّع، لكنّها لم تُستخدم منذ سنوات طويلة بسبب المناخ الدّافئ نوعًا ما حتى في الشّتاء، وتحوّلت إلى مجرّد قطعة أثاث ضخمة ومُهملة.

في صباح اليوم التّالي، حاولت سلمى أن تتصرّف بشكل طبيعي، لكنّ الأزمة المحيطة بها كانت خانقة.

"ألن ينتهي هذا الجفاف يا أمّي؟" سألت سلمى، محاولة إخفاء قلقها الحقيقي تحت سؤالٍ بريءٍ.

أجابت والدتها وهي تتنهّد: "لا أعرف يا ابنتي. لقد فقدت القرية البركة، والحاج قاسم يقول إنّهم سيعقدون اجتماعًا هذا المساء لتخزين بعض الحبوب تحسُّبًا للأسوأ. لم نعد نثقُ حتّى في سماء الشّرايبيّة."

شعرت سلمى بوخزة في قلبها. فقدان الثّقة هو أكبر جفاف يمكن أن يصيبهم. زاد هذا من تصميمها على التحرك الآن.

كانت جدّة سلمى، "نعيمة"، امرأة حكيمة وعاشقة للحكايات تحفظ منها الآلاف، لكنها كانت متشدّدة في القواعد، خاصّة قاعدة عدم العبث بأشياء الماضي، ممّا جعل مهمّة سلمى صعبة.

تساءلت سلمى: هل المدفأة الحجريّة في بيت الجدّة هي النّقطة التي تشير إليها الخريطة؟ وإذا كانت كذلك، فما هو السّرّ الذي تخفيه؟ وكيف لم تلحظ الجدّة غياب الأزرار؟

تذكّرت سلمى أن الجدّة نعيمة كانت تعتبر المدفأة مجرًد نصب تذكاري لزمن قديم. الأزرار، إن وجدت، ستكون مخبأة في جيب سرّي لا يتمّ تنظيفه أو لمسه إلّا نادرًا. كانت الجدّة نعيمة في هذه الأيام مشغولة جدًا بإعداد الطّعام لعمّال جلب الماء وشراء المُؤن، وكانت منهمكة ومشتّتة الذّهن بفعل الأزمة العامّة، ممّا جعلها تغفل عن تفاصيل الماضي المُهمل.

في صباح اليوم التالي، بعد أن ذهب والداها إلى الحقول (التي لم تعد تنتجُ شيئًا يُذكر)، وتوجّهت الجدّة إلى سوق القرية البعيد نوعًا ما لتوفير بعض الخضروات، سنحت الفرصة لسلمى.

ذهبت سلمى إلى بيت جدتها الملاصقةلبيت أبويها ودخلت غرفة المعيشة. كانت المدفأة قديمة وضخمة، ومبنيّة من حجارة سوداء ثقيلة، تبدو وكأنّها كتلة صلبة لا يمكن أن تحوي سرًّا. جلست سلمى أمامها، وبدأت تتحسّس الحجارة، تبحث عن تلك العلامة التي رأتها في الخريطة: الدّائرة الصّغيرة التي بداخلها نقطة.

استغرقت العمليّة وقتًا طويلاً. أصابع سلمى الصّغيرة تحسّست كلّ شقٍّ وكلَّ حافّةٍ، وكلّ قطعة طين قديم تملأ الفواصل. بعد ما يقارب النصف ساعةٍ من البحث، وجدت العلامة في الزّاوية السّفليّةِ، على حجرٍ واحدٍ بالذّاتِ. كان هذا الحجر أكثر برودة من بقيّة الحجارة، وعندما ضغطت سلمى عليه بإصبعها، لم يتحرّك.

شعرت بخيبة أمل طفيفة. ربّما أخطأت في فهم الخريطة؟ لكنّها لم تيأس. عادت وتذكرت قاعدة والدها في الزّراعة: "القوّة ليست دائمًا في الدّفع، بل في الإتّجاه الصّحيح."

بدأت سلمى تدفع الحجر برفق وتزلقه. وبالفعل، عندما دفعت سلمى الحجر إلى الدّاخل قليلًا ثم زلقته نحو اليسار، تحرّك!

خلف الحجر، لم يكن هناك نارٌ أو رمادٌ، بل كان هناك جيبٌ صغيرٌ مخفيّ بعناية في جدار المدفأة. وبداخله... مجموعة من الأزرار النّحاسيّة العتيقة.

كانت الأزرار نحاسيّة، لكنّها ليست عاديّة. كان كلّ زرّ يحملُ نقشًا مختلفًا، يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ النُّقوش النّجميّة الموجودة على الصّندوق الخشبيّ نفسه. عدّتها سلمى: كانت سبعة أزرار فقط.

شعرت سلمى بارتياح عارم. هذا هو الكنز الثّاني. أخذت سلمى الأزرار وحملتها إلى غرفتها مع الخريطة، حريصة على إعادة الحجر إلى مكانه لعدم ترك أيّ أثرٍ.

في ذلك المساء، عندما أشرق القمر ونشر ضوءه الفضّي على الخريطة، تغيّرت النّجوم مرّة أخرى.

ظهرت على الخريطة سلسلة من سبع نجوم متقاربة، ترسم شكل "قلادة مكسورة". تذكّرت سلمى أنّها عثرت على سبعة أزرار. هل هناك علاقة؟

قامت سلمى بوضع الأزرار السّبعة بالتّرتيب على النّجوم السّبعة في الخريطة. وبمجرد أن لامست الأزرار النّحاسيّة النّجوم المتوهّجة، حدث أمر مدهش: لم يكن هناك ضوء مبهر، بل كان هناك صوت ينبثق من قلب الخريطة.

لم يكن صوتًا عاديًا، بل كان صوتًا رقيقًا وحنونًا، يشبه همس الجدّة عندما تروي حكايات قبل النّوم، لكنّه كان صدى لآلاف الأصوات القديمة.

"لقد جمعتِ أزرار الحنين، يا طفلتي. هذه أزرارُ حُبٍّ لم يُنسَ قطُّ. لفتح الدّرب التّالي، يجب أن تكتشفي: ما هو الشّيء الذي لم يفقده قلبُكِ قطُّ؟ اذهبي إلى المكان الذي يُخزّن فيه 'صوت النّعمة'."

لم تستطع سلمى النّوم مرّة أخرى. "ما هو الشّيء الذي لم يفقده قلبُكِ قطُّ؟"

فكرت سلمى في كلّ شيءٍ: الشجاعة (لنزول البئر)، الفضول (لاكتشاف الأسرار)، الحبّ (لعائلتها وقريتها). لكن أيّها هو الذي لا يُفقدُ أبدًا؟

وتذكرت كلام والدها عن اليأس وكلمات جدتها عن فقدان البركة. "النّعمة! الشّكر والإمتنان لما هو موجود!"

أدركت سلمى أنّ "صوت النّعمة" المفقود لا يمكن أن يُخزّن إلا في مكان يمثّل الوفرة والشّكر الذين نسيتهما القرية. "مَعصرة الزّيتون القديمة!" التي كانت مصدر رزقهم ورمزًا للبركة قبل أن يهملوها مع ازدياد الجفاف وقلّة الحصاد. لقد حدّدت هدفها التّالي.

دفنت سلمى الأزرار والخريطة تحت اللّوح الخشبي، تاركةً صوت همس الخريطة يتردّد في أذنيها، مستعدّة لمغامرة الغد التي ستقودها إلى البحث عن معنى النّعمة الحقيقيّة.



الفصل الثالث: صوت النعمة المفقود


أصبح السّؤال الجديد تحدّيًا مُحيِّرًا لسلمى، وظلّت تكرّره في سرّها وهي تستعدّ للمهمّة التّالية: "ما هو الشُيء الذي لم يفقده قلبها قطُّ؟"

كانت الأجوبة تتراوح بين المشاعر الجريئة (كالشّجاعة والفضول) والمشاعر الدّافئة (كالحبّ)، لكنّ سلمى أدركت أنّ السّحر لا يبحث عن المشاعر العاديّة. إنّه يبحث عن القيمة التي تكسر اليأس وتُعيد البركة. في ظلِّ أزمة القرية، كان الشَّيءُ الأكثرُ فقدانًا هو الشّكر والإمتنان، أو ما أطلق عليه النّقشُ إسم "صوت النّعمة".

كانت القرية منهكة. مرّت أربعة أيّامٍ أخرى على القرية، زاد فيها التّوتّر بشكل ملحوظ. بدأ الجدال يدور بين الأهالي حول عدالة توزيع المياه المشتراة، وظهرت علامات الشّحّ على وجوه الجميع. في أحد الصباحات، سمعت سلمى جدّتها نعيمة تقول لوالدها: "النّعمة يا ولدي ليست في وفرة الماء، بل في تقدير القليل منه. لقد كنّا نُفرط في تبذير البئر عندما كان يفيض، وكنّا نشتكي من كثرة الزّيتون، والآن.. فقدنا الشّكر، ففقدنا النّعمة."

هذه الكلمات رسّخت يقين سلمى: "الشّيء الذي لم يفقده قلبي قطُّ هو القدرة على الشُّكر والبحث عن البركة حتى في أشدّ الأوقات قسوةً."

في قرية "الشّرايبيّة"، كان هناك مكان واحد يمثّل تاريخ الوفرة والبركة قبل الجفاف: "مَعصرة الزّيتون" القديمة. كانت المعصرة تقع على بعد مسافة قصيرة من حافّة القرية، وكانت مهجورة الآن تمامًا، حيث توقّف موسم العصر وتوقّفت عن العمل منذ سنوات بسبب قلة محصول الزيتون. لكنّها كانت ترمز للرّزق الوفير والعمل الشّاقّ والإمتنان للأرض على محصول الزّيتون.

تسلّلت سلمى نحو المعصرة المهجورة في منتصف النّهار، مستغلّةً رُكود الحركة في القرية بسبب حرارة الشّمس القاسية. كانت رائحتها لا تزال تفوح بعبق الزّيتون القديم والزّيت المتجمّد. كان المكان باردًا ومظلمًا، ومليئًا بآلات العصر الحجريّة العملاقة والمغطّاةِ بالأتربةِ وشبكات العناكب، كأنّها متحف للماضي المُهمل.

كان قلب المعصرة هو "حوض العصر" الحجري الضّخم، وهو حوض دائريّ عملاق يُجمع فيه الزّيت المُصفّى. وقفت سلمى أمامه، تتفحّصه بضوء مصباحها. كان الحوض فارغًا تقريبًا، لكن في قاعه المظلم، كانت هناك طبقة سميكة من الزّيت القديم المتجمّد، تبدو كطين لزج أسود.

نظرت سلمى بدقة في قاع هذا الزيت المتجمّد، ورأت شيئًا يلمع ببريق خفيف جدًا، كأنّه نقطة ضوءٍ محاصرة في الظّلام. كان الجسم اللّامع مغمورًا بالكامل في الزّيت الثّقيل.

بدأت سلمى مهمّة صعبة. كان عليها أن تنحني داخل الحوض الضّخم، وتستخدم يديها لحفر وطرد الزّيت الثّقيل والمتجمّد. كان الزيت لزجًا وكريه الرّائحة، وتطلّب منها الأمر جهدًا كبيرًا وتركيزًا لتجنّب الانزلاق داخل الحوض. عملت سلمى بصبر، كأنّها تحفر في الذّاكرة المنسيّة للقرية.

بعد جهد وتعب، نجحت في تحرير الشّيء اللٌامع. كان عبارة عن "إبريق ماء فضّي" صغير، مزيّن بنقوش جميلة.

كان الإبريق باردًا وثقيلًا، ومغطّى بالزّيت القديم الذي حاولت سلمى مسحه بقطعة قماش مهملة وجدتها في المكان. وبمجرد أن أخرجته سلمى، سمعت صوتًا غريبًا يصدُر من داخله. لم يكن الصّوت مسموعًا بالأذن، بل أحسّته سلمى في داخل رأسها. إنّه صوتٌ يُشبه ألف همسة شكر وامتنان في آنٍ واحدٍ، كأنّه صدى كلّ صلوات الشّكر التي نُطقت في المعصرة على مرّ السّنين. لقد وجدت مكان تخزين "صوت النّعمة".

عادت سلمى إلى المنزل في المساء، حريصة على إخفاء الإبريق الفضّي الثّمين. مسحت الزّيت المتبقّي عنه ونظّفته بعناية.

في تلك اللّيلة، عندما لمعت الخريطة تحت ضوء القمر، لاحظت سلمى التّغيّر الكبير. النّجمُ الخائفُ أصبح الآن أكثر وضوحًا، وهو يتوسّطُ مجموعة نجومٍٍ تشكّل صورة إبريق ماءٍ فضّي.

وضعت سلمى الإبريق الفضي على النّجم اللّامع. لم يحدث أي صوت سحري عالٍ هذه المرّة، بل حدث شيء أكثر واقعيّة ودهشة.

انبثقت من الإبريق قطرات ماء نقيّة وباردة.

كانت قطرات قليلة في البداية، تنزلق من فم الإبريق، ثم تحوّلت إلى تيّار خفيف من الماء العذب الفائض، ينساب على الخريطة. توقّعت سلمى أن تتبلّل الخريطة وتتلف، لكنّ المفاجأة كانت أنّ الماء السّحري انغمس فيها واختفى على الفور، كأنّ الخريطة مصنوعة من الإسفنج.

وفي اللحظة التي اختفى فيها الماء، تحوّلت الخريطة بالكامل. صارت شبكة النّجوم أكثر كثافة، وتغيّر النّقش القديم على الخريطة ليُظهر رسالة جديدة:

"لقد استعدتِ نعمَتكِ. لكي تستمر النعمة، يجب أن تمنحي ما لم يفقده قلبكِ قطُّ إلى من فقدهُ. اذهبي إلى مكان غابت عنه النّعمةُ بسبب غياب الصّدقِ... اذهبي إلى المكان الذي يعيش فيه 'الرّجل الذي سُرِق اسمه'."

أدركت سلمى المنطق: لعودة الحياة للقرية، يجب أن تستعيد القرية الصّدق والقيم المنسيّة. استعادة النّعمة لا تكفي؛ يجب أن تُعطى القيمةُ الأغلى لكسر التّعويذة.

تذكّرت سلمى والدها الذي كان دائمًا يشتكي من غياب الصّدق والوفاء بالعهود بين التّجّار القدامى. إنّ النّعمة تُفقد حين يُفقد الصًدقُ. هذا هو الجسر الواضح بين الحلّ الأوّل والتّحدّي التّالي.

تذكّرت سلمى أيضًا قصّةً قديمةً روتها الجدّة نعيمة عن "عجوز الحارة"، رجلٌ عجوزٌ وغريبُ الأطوارِ، كان يعيش وحيدًا في منزل مهجور على تلّةٍ بعيدةٍ. كان يتحدّث دائمًا عن "اسمه المفقود" وعن "عَقدٍ وقّعه مع ظلّه". كان الجميع في القرية يتجنّبونه، قائلين إنّه مجنون. لكنّ سلمى، بقلبها المليء بالفضول الذي لم تفقده قطّ، أدركت أنّه قد يكون هدفها التّالي. الرّجل الذي يُسرَق اسمه هو بالتّأكيد الشّخص الذي فقد الصّدق في هويّته.

قبل أن تنام، قامت سلمى بعمل بسيط لكنّه عميق. ملأت جرّةً صغيرةً بالماء النّقي المتبقّي في إبريق النّعمة (والذي لم يتوقّف عن التٌدفّق بعدُ). ذهبت بهدوء إلى شجرة التّين الوحيدة التي كانت والدتها تحاول إنقاذها، وسقت جذورها القليلة بالماء العذب.

رغم الظلام، شعرت سلمى بأنّ الشّجرة تنفّست بعمقٍ. لقد كان هذا الماء سحريًّا، ولكنّه أيضًا كان ثمرة الشّكر الذي استعادته القرية.

دفنت سلمى الإبريق الفضّي والصّندوق والخريطة. اليوم التّالي سيقودها إلى تحدٍّ أصعب، يتطلّب شجاعةَ المواجهةِ، وليس مجرّد الاكتشاف. إنّه وقتُ البحث عن الصّدق الأصيل.



الفصل الرّابع: الرّجل الذي سِرق اسمه


أصبح البحث الآن عن "الرّجل الذي سُرق اسمه" تحدّيًا يتجاوز الألغاز المادّيّة إلى الألغاز النُفسيّة. سلمى أدركت أن الخريطة النّجميًة كانت تقودها في رحلة استعادة القيم المفقودة في قلب المجتمع. لقد استعادت الشّكر (النّعمة)، والآن يجب أن تواجه انعدام الصّدق الذي أدّى إلى الجفاف الرّوحي والمادّي في القرية.

في تلك الأيّام، كانت أزمة القرية قد وصلت إلى ذروتها. بدأ النّاس في بيع ممتلكاتهم بأسعار زهيدة لتأمين المياه، وتوقفت الأعمال بالكامل. اليأس كان يسيطر، والكذب بدأ ينتشر بين التّجّار الصّغار الذين يحاولون الاحتفاظ بما تبقى لهم. هذا المناخ المأزوم كان يبرّر تمامًا أهمّيّة استعادة قيمة الصّدق.

مر أسبوعُ كاملُ على اكتشاف الإبريق، قضت سلمى معظم وقته في مراقبة حركة النّجوم على الخريطة ومقارنة ما تعرفه من قصص الجدّة نعيمة. كانت ترى أهل القرية يتناقشون بمرارة حول "عجوز الحارة" الذي كان في شبابه تاجرًا مزدهرًا ثم اختفى فجأة وعاد مجنونًا يتحدّث عن الظلال. كان والدها يقول بأسى: "هذا الرّجل مثالُ لمن باع روحه للمال. في الشّرايبيّة، هناك الكثيرون ممّن سُرقت أسماؤهم لأنّهم باعوا ذممهم."

كانت سلمى تحمل جرّة الماء المملوءة بماء النّعمة السّحري، والذي لم يتوقّف عن التّدفّق من الإبريق، وتوزعه سرًّا على النّباتات الأكثر عطشًا. كانت كلٓ قطرةٍ تُسقى بها نبتةٌ تمثّل تذكيرًا بأنّ النّعمة لا تستمرّ إلا بالعطاء والصّدق.

كان منزل "عجوز الحارة" يقع على تلّة منعزلة، بعيدًا عن حركة القرية. كان المنزل مهجورًا بالفعل، مظهره يوحي بالإهمال، مليئًا بالعناكب والأتربة، وكأنّه يختزن كل أكاذيب القرية القديمة.

في صباح يوم الخميس، وبعد أن ملأت الجرّة من الماء النّقي المتبقّي في إبريق النّعمة، توجّهت سلمى إلى التّلّة. كانت حريصة على أخذ ماء النّعمة معها، فقد أدركت أن كلّ تحدٍ يتطلّب شيئًا مادّيًّا يحمل قيمة روحيّة.

عندما وصلت إلى المنزل، وجدت العجوز جالسًا في الزّاوية، يرتدي ملابس رثّة، ويحدّق في الفراغ. كان يبدو هزيلاً وغائراً العينين، كأنّ الظّلّ قد استهلك جزءًا كبيرًا من جسده.

"صباح الخير يا عمّي،" قالت سلمى بهدوء، مقدّمة احترامها.

رفع العجوز رأسه ببطء، وكانت عيناه تحملان خليطًا من الحكمة الجنونيّة والحزن العميق. "من أنتِ يا صغيرة؟ ماذا تفعلين في مكان الأسرار هذا؟ هل تبحثين عن ذهب التّجّار المنسيّ؟"

"أنا سلمى، وأنا أبحث عن الرّجل الذي سُرق اسمه،" أجابت سلمى بصدق ودون تردّد.

ابتسم العجوز بمرارة. "لغز قديم! أنا هو، يا صغيرتي. اسمي المسروق هو أثمن ما أملك، وأكثر ما أخاف أن أتذكّره." ثم أشار إلى ظلّه الملتصق بالجدار. "سُرق اسمي منّي عندما كنت شابًّا، وكنت أريد أن أكون شخصًا آخر غير ذاك الفتى الفقير. وقّعتُ عقدًا مع ظلّي، وتنازلت عن هويتي مقابل أن أكون 'أنجح تاجر في القرية' لمدّة عشر سنوات."

"وهل أنت سعيد، يا عمّي؟" سألت سلمى، وهي تجلس على الأرضيّة الباردة أمامه.

"السّعادة تحتاج إلى اسم لتنطق به،" قال العجوز وهو يضحك ضحكة مهزوزة. "أنا مجرّد شبح الآن، شبح تاجر قديم. كلّما حاولت أن أتذكّر اسمي، يضحك الظّلّ ويسحب منّي ذكرى أخرى من طفولتي. الكذب أكلني من الدّاخل."

أدركت سلمى أن "الشيء الذي لم يفقده قلبها قطّ" هو الصّدق. الصّدق مع الذّات، الصّدق في الهويّة. هذا ما فقده العجوز بالكامل عندما باع اسمه. كان عليها أن تمنحه هذا الصّدق.

"هل يمكنني أن أرى اسمك المسروق؟" سألت سلمى.

"إنّه ليس هنا يا صغيرتي،" همس العجوز. "إنّه في زجاجة عطر قديمة، في أعلى غرفة في بُرجي القديم. هي زجاجة تَحفظُ رائحة الأمانة المفقودة. لا يمكن الوصول إليه إلّا عبر تسلّق 'سلّم الكذب' الذي بنيته في حياتي الطّويلة من الغشّ والخداع. هذا السّلّم لا يصعده إلّا من يحمل قلبًا صادقًا لا يعرف التّردّد، وإلّا سيسقطه صدى الأكاذيب."

هذا التّحدّي كان مختلفًا. لم يكن الأمر يتعلّق بإيجاد شيء مدفون، بل بمواجهة الماضي القبيح لرجل آخر. كانت الخريطة قد أعدّت سلمى: الشّجاعة (البئر)، الشّكر (النّعمة)، والآن الصّدق (الإسم المسروق).

أدركت سلمى أنّ الصّدق ليس مجرّد كلمة؛ إنّه قوّة لا يمكن أن تهزمها الأكاذيب القديمة. أمسكت سلمى جرّة ماء النّعمة، ووضعتها بعناية على عتبة باب الغرفة، كأنّها تثبيت للبركة في المكان الذي يحتاج للتّطهير.

"يا عمي، سأصعد لك،" قالت سلمى. "الصّدق الذي أحمله أقوى من كذبك القديم."

وقف العجوز فجأة، وعيناه تلمعان. "انتبهي يا صغيرتي، الظّلّ ينتظر في الأعلى. الكذب لا يرضى بأن يُكشف."

ثمّ أشار إلى الدّرج الخشبيّ المتهالك الذي كان يرتفع في زاوية الغرفة، متّجهًا نحو غرفة علويّة تشبه البرج الصّغير، وهو الجزء الأطول والأكثر ارتفاعًا في المنزل المهجور.

كان البرج صامتًا ومخيفًا. وقفت سلمى عند الدّرجة الأولى من "سلّم الكذب". لاحظت أنّ السّلّم لم يكن مجرّد درجٍ خشبي؛ كانت كلّ درجة منحوتةً بطريقةٍ توحي بأنّها تحمل ثقلًا هائلاً.

أمسكت سلمى المصباح ورفعته نحو أعلى السّلّم. كان عليها أن تجمع كل شجاعتها وكلّ صدقها الذي لم يفقده قلبها قطّ. في هذه اللحظة، أحسّت أنّها لم تعُد مجرّد فتاة تبحث عن الماء، بل أصبحت حارسة القيم التي ستقود القرية إلى النّجاة.

أخذت سلمى نفسًا عميقًا، مستعدّة لرحلة التّسلّق التي ستكون أثقل من أيّ حملٍ. رحلة بين الأكاذيب المنسيّة.



الفصل الخامس: سُلّم الكذب وبرج العجوز


كان برج العجوز هو الجزء الأكثر تهديدًا في المنزل المهجور. لقد كان يرتفع نحو السّماء كإصبع اتهام، وكلّ درجة من درجات سلّمه الخشبي المتهالك كانت تحمل قصصًا لم تُروَ. كان الصّعود يتطلب مواجهة مباشرة مع سجلّات الكذب والخداع التي بناها العجوز في شبابه.

وقفت سلمى عند أسفل السّلّم، وأمسكت بمصباحها اليدوي. الضوء الضّعيف يكاد لا يخترق عتمة البُرج، لكنّ الأهمّ من الضّوء الخارجي هو الضّوء الدّاخلي الذي كانت سلمى تحمله: الصّدق الذي لم يفقده قلبها قطّ.

"كلّ درجة في هذا السّلّم بُنيت على كذبة قلتها،" همس العجوز من الأسفل بصوت مهزوز، وكأنّه يلقي اعترافه الأخير. "كلّما خطوتِ عليها، ستسمعين صدى الكذبة يرتفع. إنّها تدافع عن نفسها."

بدأت سلمى التّسلّق.

الدّرجة الأولى: وضعت سلمى قدمها بحذر. انطلق صوت همسٍ خافتٍ من الخشبِ القديمِ: "سأعود بالبضاعة غدًا." (كانت كذبة صغيرة، قالها العجوز ليتجنّب مواجهة شريكه، لكنّه لم يعد قطّ). شعرت سلمى ببرودة غريبة تنتقل إلى ساقها، كأنّها لمسةُ ندمٍ قديمٍ.

الدّرجة الخامسة: أصبح الصّوت أكثر وضوحًا، يحمل نبرة طفوليّة عالية ومتهجمة: "لم آكل الحلوى يا أمّي، القطّة هي من أكلتها." (كانت كذبة لحماية نفسه من العقاب). ابتسمت سلمى بأسى، فالأكاذيب تبدأ صغيرة وبريئة، ثم تنمو مع صاحبها.

الدّرجة العاشرة: هنا بدأ السّلّم يهتزّ قليلاً تحت قدميها. ارتفع صوتٌ أجشٌّ وحادٌّ، صوتُ تاجرٍ ماكرٍ: "هذا سعرٌ نهائي، ولن أتربّح منك كثيرًا، أُقسم لك!" (كانت كذبة تجاريّة، لكنّه كسب ثلاثة أضعاف الرّبح المتوقّع). شعرت سلمى بالغثيان، ليس من ارتفاع السّلّم، بل من رائحة الخداع العتيقة التي تفوح من الخشب.

الدّرجة الخامسة عشرة: تحوّل الصّوت إلى بكاء امرأة: "لقد قلت لي إنّ هذا الميراث لن يذهب لغيري!" (كذبة غشّ في عقد ميراث). هنا، ارتفعت أصوات أخرى مختلطة، كأنّ مئات الأصوات تتداخل معًا، تهمس وتتذمّر وتتوسّل. كان السّلّم يرتفع، وأصوات الأكاذيب تزداد صخبًا، ممّا جعل سلمى تشعر بالضّجر والضّيق.

كانت مهمّتها هي منح الصّدق إلى الرّجل الذي فقده. كان عليها أن تمنع هذه الأصوات من اختراق قلبها وتشتيتها. في كل خطوة، كانت تكرّر في سرّها: "أنا صادقة. أنا هنا لأجلك يا عمّي. ليس لأجلك أنت التّاجر الكاذب، بل لأجل العجوز الذي ضاعت منه النّعمة."

عندما وصلت سلمى أخيرًا إلى أعلى الدّرجة الأخيرة، لم تعد تسمع الأصوات. فجأة ساد صمت مطبق. كان الصّمت بعد صخب الأكاذيب أثقل وأكثر رُعبًا.

وجدت سلمى نفسها في غرفة دائريّة صغيرة تشبه القلعة، مغطّاة بالكامل بالأتربة وطبقات سميكة من شبكات العناكب. في منتصف الغرفة، كانت هناك طاولة خشبيّة متهالكة، ومرآة صدئة مكسورة كان قد رسمها النّجم الخائف على الخريطة سابقًا.

وعلى الطّاولة، كانت تقف زجاجة عطر كريستاليّة قديمة.

كانت الزّجاجة لامعة رغم الغبار، لامعة بشكل غير طبيعي، وبداخلها سائلٌ خفيفٌ أزرقُ اللّون، يتحرّك ببطء كأنّه شبح مسجون. وبمجرّد أن حملتها سلمى، شعرت بحرارة تنتقل إلى يدها، ورائحة غريبة وعطرة. كان هذا هو اسمه المفقود، جوهر هويته النّقيّة قبل أن يلوّثها الكذب.

في تلك اللّحظة، تحرّك شيءٌ في زاوية الغرفة. لقد كان الظّلّ الذي وقّع معه العجوز العقد. لم يكن مجرّد ظلٍّ عادي، بل كان كتلة داكنة وكثيفة، وكأنّها كيان شبه مادّي.

"ما الذي أحضرك إلى هنا أيّتها الصّغيرة المزعجة؟" خشخش الظّلّ بصوت أجشّ وعميق، صوت خالٍ من الرّوح. "لقد أفسدتِ صفقتي، وها أنتِ تحملين دليل إدانتي!"

"أنا هنا لأعيد الصّدق إلى اسمه،" قالت سلمى بشجاعة، ممسكة الزّجاجة الكريستاليّة بقوّة.

"الصّدق؟" سخر الظّلّ، ثمّ اقترب أكثر، ممّا جعل سلمى تتراجع خُطوةً. "الصّدق ليس سوى حكاية سخيفة يرويها الفاشلون. الحقيقة هي القوّة! وأنا مصدر قوّة العجوز لسنوات!"

"أنت مصدر وهمه، وليس قوّته،" ردّت سلمى بقوّة، متذكّرة كلمات والدها عن "فقدان الرّوح" بسبب الجفاف الرّوحي. "أنت لست سوى سجلّ لأكاذيبه. ولن تستطيع السّيطرة على هذه الزّجاجة."

لم تكد سلمى تنتهي من كلامها حتّى توهّجت الزّجاجة الكريستاليّة قليلاً، وكأنّها استمعت إلى قوّة الصّدق في كلماتها.

أدرك الظّلّ الخطر. بدأ يزحف نحو سلمى بسرعة أكبر. لكن سلمى كانت قد أتمّت مهمّتها في البرج. لقد حصلت على الكنز الأخير.

نزلت سلمى من السّلّم بسرعة وهي تحمل زجاجة العطر الكريستاليّة، وكانت الآن تسمع صمتًا مطبقًا على السلم، صمتًا يبعث على الارتياح، كأنّ الأكاذيب قد خجلت من أن تُسمع مرة أخرى.

عندما رأت العجوز جالسًا في الأسفل، كانت عيناه تلمعان. "هل وجدتها يا صغيرة؟ لقد شعرت بصخب السّلّم يتوقّف."

أشارت سلمى إلى الزّجاجة. "هذا هو اسمك، يا عمي. هو هويّتك. هو ما فقدته عندما اخترت أن تكون شخصًا آخر. لا يمكن لظلّ أن يسيطر على شخص إلّا إذا كان الشّخص راضيًا عن هذه السّيطرة."

"لكن... كيف لي أن أستعيده؟" بكى العجوز. "لقد أوثقت هذا العَقد بظلّي! الظل سيشتعل لو لمسته!"

أخرجت سلمى الخريطة النجميّة. كانت النّجوم قد تغيرت عن أماكنها التي كانت فيها في المرّة الأخيرة. كان النجم الخائف يتوسّط الآن صورة "مرآة مكسورة"، رمزًا للهويّة المشوّهة والمنقسمة.

وضعت سلمى الخريطة على الأرض ووضعت زجاجة العطر على النّجم الخائف. ثم تذكّرت: "يجب أن تمنحي ما لم يفقده قلبكِ قطّ..."

الصدق.

نظرت سلمى إلى العجوز بصدق تام. "قل اسمك الحقيقي الآن! وقل إنك نادم على كل كذبة."

"ماذا لو لم أستطع؟" سأل العجوز وهو يرتجف خوفًا من ظلّه الملتصق بالجدار.

"يمكنك يا عمّي. تذكر النّعمة التي فقدتها. النّعمة تبدأ بالاعتراف بالذّنب. هذا هو الصّدق الذي يكسر العَقد."

أخذ العجوز نفسًا عميقًا، ونظر إلى الظّلّ الذي كان يضحك على الجدار، ثمّ إلى الزّجاجة الكريستاليّة التي تتوهّج بالضّوء الأزرق.

"أنا... أنا أحمد!" صرخ العجوز. "وأنا نادم! نادم على كل كذبة قلتها، وعلى كلّ قلب جرحته لأجل المال والنّجاح الزّائف!"

في اللّحظة التي نطق فيها اسم "أحمد" وشعر بالنّدم الصّادق، حدث شيء مذهل.

توهّجت زجاجة العطر بضوء أزرق ساطع. اندفع الضّوء من الزّجاجة نحو ظلّ أحمد، واخترقه بقوّة. أطلق الظّلّ صرخة عالية وموجعة، ثم تلاشى بسرعة وتحوّل إلى غبار فضّي ثمّ أسود واختفى في الأرض. تحطمت الزّجاجة الكريستاليّة على الأرض، لكنّ السّائل الأزرق لم ينسكب، بل تبخر في الهواء وتحوّل إلى صوت هادئ يهمس باسم "أحمد".

شعر أحمد بالحرّيّة. شعر وكأنّ حملاً ثقيلاً قد رُفع عن كتفيه. لم يعد الظّلّ موجودًا ليضحك أو يسحب منه الذّكريات.

في تلك اللّحظة، تحوّلت الخريطة للمرّة الأخيرة. أصبحت خريطة "النجوم الخائفة" بأكملها نجمًا واحدًا عملاقًا، يتوهّج بنور ذهبي مريح. وعلى الخريطة، ظهرت رسالة أخيرة:

"لقد أعدتِ الرّوح إلى جسدها، والصّدق إلى اسمه. الآن، لفكّ التّعويذة الملقاة على القرية، أعيدي النّجم الخائف إلى المكان الذي وجدته فيه. حان وقت المكافأة."

نظر أحمد (العجوز) إلى سلمى بعينين صافيتين لأوّل مرّة منذ سنوات. "لقد حرّرتني. شُكرًا لك."

أخذت سلمى الصّندوق الخشبي والخريطة المتوهّجة للمرّة الأخيرة. لقد استعادت الصّدق، واستعادت النّعمة. الآن، حان الوقت لإعادة هذه القيمة المحرّرة إلى مصدر المشكلة: البئر الجافّ. ودّعت سلمى أحمد، الذي بدا أصغر سنًا وأكثر حكمة الآن، وتوجّهت مسرعة إلى بئر القرية القديم. كانت تعلم أن الوقت قد حان.



الفصل السّادس: عودة الحياة إلى الشّرايبيّة


كانت الشمس تغرب في الأفق، مُطلقةً ألوانها البرتقاليّة والحمراء على سماء الشّرايبيّة، كأنّها دموع دافئة تودّع يومًا صعبًا آخر من أيّام الجفاف والقحط. حملت سلمى الصّندوق الخشبي الذي يحوي الآن الخريطة النجمية المُتوهجة بالكامل كنجم عملاق واحد، وتوجهت بأقصى سرعة ممكنة نحو بئر القرية القديم.

كانت المشاعر متدفّقة في قلب سلمى: مزيج من الإرهاق بعد المغامرة الطويلة، والفرح العميق بالنّجاح في تحرير أحمد واستعادة قيمتي الشّكر والصّدق، والتّرقّب الشّديد للّحظة الحاسمة. كانت القرية صامتة، ينتظر أهلها عودة الفجر وقلوبهم واجفة، منهمكين في حفر القليل من الرّطوبة المتبقّية في أطراف الحقول.

وصلت سلمى إلى البئر. كان المكان خالياً، ولم يكن هناك أحد ليراقبها أو يوقفها. ربطت حبلها بإحكام حول الصّخرة الثّابتة، وبدأت رحلة النّزول للمرّة الأخيرة.

هذه المرّة، لم تكن الظّلمة في القاع مخيفة. كان الصّدى يهمس، لكن بصوت أكثر حنانًا ورضا، وكأنّه يرحّب بعودتها.

عندما وصلت إلى القاع، وقفت سلمى على أرضيّة الطّين المتشقّق. لم تعد تشعر برائحة الجفاف والموت، بل برائحة ترقّب مُبهمة.

تذكّرت سلمى مكان الصّندوق بالضّبط، في وسط القاع. لقد تمّ استرداد جميع القيم المفقودة: الشجاعة، الشكر، والصّدق. الآن، كان عليها أن تعيد الرّمز الموحّد لهذه القيم إلى مصدر الأزمة.

وضعت سلمى الصّندوق الخشبي العتيق، الذي كان الآن يتوهّج بخفّة، في مكانه بالضّبط، وسط قاع البئر الجافّ.

فتحت سلمى الصّندوق برفق، وأخذت الخريطة التي كانت متوهّجة كنجم ذهبي عملاق. وضعتها سلمى داخل الصّندوق مرّة أخرى، ثم أغلقت الغطاء.

بمجرّد أن أغلقته، تحوّلت النّقوش النّجميّة على الصّندوق إلى نقوش خشبيّة عاديّة، وبدا الصّندوق كأيّ صندوق خشبي قديم آخر، لكنّه أصبح ثقيلًا جدًا، كأنّه يحمل ثقل كلّ القيم التي تمّ استردادها.

انتظرت سلمى لحظة. لم يحدث شيء. كان الصّمت مطبقًا، والظلام كثيفًا. شعرت ببعض خيبة الأمل. هل كل ما فعلته كان مجرّد حلمٍ جميلٍ وانتهى بفكِّ عَقد رجل عجوز فقط؟

وبينما كانت تستعدّ للصّعود، سمعت صوتًا. لم يكن همسًا، ولا صدى، ولا صوت رياح.

إنه صوت ماء!

في البداية، كان تيارًا خفيفًا، ينساب من شقّ صغير في جدران البئر الحجريّة، ثم انضمّت إليه تيّارات أخرى من شقوق متفرّقة. تزايدت التّيّارات بسرعة مذهلة، وكأن البئر كان يمتص الماء من مكان سحيق. تحوّل التّدفّق الخفيف إلى تيّار سريع وقويّ يصدر صوتاً مدوّياً.

بدأ الماء يتجمّع في قاع البئر، باردًا ونقيًا وصافيًا، يرتفع بسرعة هائلة وكأنّه قد تحرّر أخيرا من تعويذة قديمة.

أدركت سلمى أنّه يجب أن تصعد فوراً. كان مستوى الماء يرتفع بسرعة أكبر ممّا توقّعت، يبتلع الصّندوق الخشبي وكلّ شيء في طريقه. تسلّقت سلمى الحبل بكلّ ما أوتيت من قوّة، والماء البارد يلامس قدميها ثم ساقيها. كانت تصرخ من الإثارة والخوف، لكنّها لم تتوّقف.

عندما وصلت إلى حافّة البئر، كانت بالكاد قادرة على سحب نفسها، وقد غمرها العرق والماء.

في تلك اللّحظة، كان صوت هدير الماء قويًا جدًا لدرجة أنه سُمع في أنحاء القرية.

بدأ أهل الشّرايبيّة يتجمّعون حول البئر، بعضهم أتى راكضا بسرعة جنونيّة والبعض الآخر كان يمشي ببطءٍ، غير مصدّقين لما يسمعونه.

نظر الجميع في البئر.

صرخوا ببهجة هستيريّة لم تشهدها القرية منذ سنوات! لقد عاد الماء! البئر القديم امتلأ من جديد، وماؤه كان أكثر عذوبة وبرودة ونقاءً ممَّا يتذكّره أيّ شخص. كان التّدفّق قويًّا ومستمرًّا، وكأنّه يفيض بالبركة.

إبتهج الجميع، واحتفلوا بعودة الحياة. لم يسأل أحد سلمى كيف حدث ذلك. كان الجميع غارقًا في نشوة عودة النّعمة لدرجة أنّهم لم يلاحظوا الفتاة الصّغيرة المبتلّة التي كانت تقف بعيدًا وتراقب بفخر. لقد رأوا في الحادثة معجزة، ولم يربطوها برحلة سلمى الشّاقّة. وهذا ما جعل سلمى تشعر بمسؤوليّة حقيقيّة: نجاحها كان سراً بينها وبين البئر والنجوم.

وفي وسط الإحتفالات، لاحظت سلمى أن "أحمد" (عجوز الحارة) قد جاء إلى القرية. كان يرتدي ملابس نظيفة وبدا أصغر سنًّا. بدأ يعتذر للنّاس بصدق عن أكاذيبه القديمة كتاجر. لم ينبذه النّاس، بل رحّبوا به. لقد بدأ هو أيضًا في استعادة حياته بسبب عودة الصدق.

في تلك الليلة، عادت سلمى إلى غرفتها. لم يعد لديها الصّندوق الخشبي أو الخريطة النجميّة. لم يعد لديها سوى الذّكريات والشّعور بالسّلام العميق.

عندما نامت، حلمت حلمًا غريبًا: رأت أحمد يضحك بصدق، ورأت جدّتها نعيمة تبتسم وهي تروي حكاية لم تعرفها سلمى من قبل، حكاية عن نجم خائف استراح في أعماق البئر.

وفي الصّباح، عندما استيقظت، وجدت على وسادتها سبعة أزرار نحاسيّة عتيقة. كانت هي نفسها الأزرار التي وضعتها على الخريطة. لم تعد تحمل نقوشًا نجمية، بل كانت تحمل نقوشًا بسيطة، وقد أصبحت متوهجة ببريق خافت: الأول مكتوب عليه "صدق" والثّاني "شكر" والثّالث "شجاعة" والرّابع "فضول" والخامس "براءة" والسّادس "عطاء" والسّابع "حبّ".

أدركت سلمى أن الصّندوق الخشبي كان مكافأة لقلبها الصّادق، وأن الخريطة النّجميّة لم تكن تقود إلى كنوز خارجيّة، بل كانت تقود إلى أعمق أسرار النّفس البشريّة وقوّة المشاعر المفقودة. لقد أعادت هذه القيم إلى البئر، وعاد البئر ليمنح الحياة للقرية.

ومنذ ذلك اليوم، لم تعد سلمى مجرّد فتاة فضوليّة. لقد أصبحت حارسة الأسرار الجديدة في الشّرايبيّة. كانت تعرف سرّ عودة الماء، وتفهم أنّ الجفاف الرّوحي أسوأ من الجفاف المادُي. كانت تروي لأصدقائها حكايات عن ماء البئر الذي عاد، وعن نجم خائفٍ يجب اتباعه دائمًا، لأنّه يمثّل الصّدق الذي لا يجب أن تفقده قلوبهم أبدًا.


— نهاية القصّة —



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Le Calendrier de l'Avent (Nouvelle)