mercredi 9 juillet 2025

عملية "البيجر": براعة المايسترو الإسرائيلي وتداعياتها على المنطقة

 

عملية "البيجر": براعة المايسترو الإسرائيلي وتداعياتها على المنطقة
.
شهدت منطقة الشرق الأوسط في 17 سبتمبر/أيلول 2024 عملية أمنية معقدة وغير مسبوقة تُعرف بـ "عملية البيجر". استهدفت هذه العملية، التي تقف وراءها إسرائيل، أكثر من 3000 جهاز نداء آلي (البيجر) التي يستخدمها عناصر حزب الله في لبنان وسوريا. وفي اليوم التالي تم تفجير المئات من أجهزة لاسلكية من نوع  "توكي ووكي آيكوم". ولم تكن هذه مجرد عملية تدمير لأجهزة، بل كانت ضربة استخباراتية ولوجستية محكمة تعكس براعة استثنائية في التخطيط والتنفيذ، وتطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الصراعات في المنطقة.
وتكمن براعة "المايسترو الإسرائيلي" في هذه العملية في عدة جوانب. أولا، الانتشار الواسع والمباغت: ففي لحظة واحدة، انفجرت آلاف أجهزة البيجر في وقت متزامن تقريبًا، مما أدى إلى إصابات جسدية بالغة بين مستخدميها، وشل قدرة حزب الله على الاتصال الداخلي بشكل فعال. هذا التزامن يشير إلى تحكم استخباراتي وتكنولوجي دقيق للغاية.ثانبا، استغلال نقطة ضعف: فقد اعتمد حزب الله على أجهزة البيجر كوسيلة اتصال آمنة ومقاومة للاختراق، بعيداً عن شبكات الهواتف المحمولة التي يُعتقد أنها تحت مراقبة إسرائيلية. ولكن تمكنت إسرائيل من تحويل هذه "النقطة الآمنة" إلى نقطة ضعف قاتلة. ثالثا، الضرر المزدوج: إذ أن العملية لم تقتصر على تعطيل الاتصالات فحسب، بل أحدثت أيضاً ضررًا بشريًا مباشراً وغير متوقع. هذا النوع من الضربات يُرسل رسالة ردع قوية للغاية، فهو لا يستهدف القدرات العسكرية فحسب، بل يستهدف الأفراد بطريقة غير تقليدية ومفاجئة. رابعا، معادلة الكلفة المنخفضة والفعالية العالية: فمقارنة بالعمليات العسكرية التقليدية، فإن "عملية البيجر" كانت ذات كلفة مادية منخفضة نسبياً، لكن فعاليتها كانت مدمرة على المستويين العملياتي والنفسي لحزب الله. لم تتطلب قوات برية أو غارات جوية واسعة النطاق، بل اعتمدت على التفوق التكنولوجي والاستخباراتي.
الأبعاد الاستخباراتية والتكنولوجية: تحفة فنية
إن النجاح في تنفيذ هذه العملية، التي تعتبر بالفعل "تحفة فنية"، بهذا الحجم والدقة يتطلب التمكن من تحقيق اختراق عميق لسلاسل الإمداد الخاصة بحزب الله. فللوصول إلى هذا العدد الكبير من أجهزة البيجر وزرع المتفجرات أو برمجتها للانفجار، كان لا بد من اختراق هائل لسلاسل توريد وتخزين حزب الله، ربما منذ مرحلة التصنيع أو الشحن أو التخزين. وكل هذا يشير إلى شبكة استخباراتية واسعة وعميقة.
كما يتطلب هذا النجاح قدرات هندسة عكسية متقدمة: لفهم كيفية عمل هذه الأجهزة وتصميم طريقة مبتكرة لتفجيرها عن بعد، كان على إسرائيل أن تمتلك قدرات هندسة عكسية عالية المستوى وتحليل تقني دقيق. هذا بالإضافة إلى أن مثل هذه العمليات (وعمليات أخرى كثيرة حدثت سابقا) تتطلب بشكل أساسي تنسيقا لوجستيا واستخباراتيا لا مثيل له: فتنفيذ عملية بهذا الحجم في آن واحد يتطلب تنسيقًا لا تشوبه شائبة بين الوحدات الاستخباراتية، وعملا على المدى الطويل، وربما اختراقا لشركات إقتصادية وخلقا لشركات وهمية وإختراقا لشبكات اتصالات معقدة.
وقد تجاوزت تداعيات هذه العملية حزب الله لتشمل أبعاداً استراتيجية أوسع. فقد اهتزت ثقة عناصر وقادة حزب الله في وسائل اتصالهم وآلياتهم الأمنية. هذا أجبر الحزب على إعادة تقييم شاملة لبروتوكولاته الأمنية والاتصالية في مرحلة ما، كما أدى إلى حالة من الشلل المؤقت و فقدان التواصل والبطء في اتخاذ القرار والتحرك.
كما كانت هذه العملية رسالة ردع قوية وواضحة وجهتها إسرائيل ليس لحزب الله فحسب، بل لجميع خصومها في المنطقة، مفادها أنها تمتلك قدرات استخباراتية وتكنولوجية غير تقليدية قادرة على إحداث ضرر كبير بطرق غير متوقعة. ولا شك أن مثل هذه الرسائل تعزز من عقيدة الردع الإسرائيلية.
كما دشنت "عملية البيجر" فصلاً جديداً في الصراع الإقليمي، حيث إنتقلت المعركة بشكل متزايد إلى السايبر والتكنولوجيا والاستخبارات الدقيقة، بعيداً عن الاشتباكات العسكرية التقليدية. وهذا سيجبر جميع الأطراف على إعادة تقييم استراتيجياتهم الدفاعية والهجومية.
إن "عملية البيجر" هي بلا شك علامة فارقة في تاريخ العمليات الأمنية والاستخباراتية. ذلك أنها تسلط الضوء على قدرة "المايسترو الإسرائيلي" على الابتكار والتكيف وضرب الخصوم بطرق غير تقليدية. ومع استمرار التطور التكنولوجي، قد نشهد المزيد من هذه العمليات "الخفية" التي تحدث تأثيرات عميقة على مجريات الصراعات، مما يجعل الأمن السيبراني والاستخباراتي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
.
.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Le Calendrier de l'Avent (Nouvelle)